فؤاد سزگين

272

تاريخ التراث العربي

ونود الآن أن نناقش الموضوع بتفاصيله . يذهب كراوس إلى أن جابرا اقتبس مصطلحات القرامطة والإسماعيليين ، من ذلك مثلا : « ناطق » و « صامت » . وأنه خلافا لمذهب القرامطة الرسمي فلقد فضّل « الصامت » عند جابر على « الناطق » ، وهذا يعنى بدوره أن العلم الباطن متفوق على العلم الظاهر في المرتبة . وهذا يتناقض أولا مع رأى كراوس المذكور آنفا من أن جابرا أكد أن محمد بن إسماعيل هو الإمام الحقيقي ، الأمر الذي يقتضى أن يكون جابر إسماعيليّا . ثانيا : يفتقر الرأي الذي يفيد أن جابرا يفضل العلم الباطن على العلم الظاهر ، يفتقر إلى أي أساس فلقد سبق وذكر من قبل ( انظر الصفحة السابقة 271 ) أن جابرا لا يفضل العلم الباطن على العلم الظاهر . أما بقية كلام كراوس ( انظر قبله ص 268 ) فيتألف من تركيبة غريبة كان الأولى بكراوس أن يتحاشاها لو أنه لم يشأ أن يستغل النص غير المقروء مهما كان ويعطيه معنى ما ، ولو أنه بدلا من ذلك ، وبالرجوع إلى البيانات المتصلة بهذا وفي الباب ذاته ، عمل على تكوين صورة مناسبة لمفاهيم جابر المتعلقة ب « الصامت » و « الناطق » . ولهذا السبب أساء كذلك فهم النص العربي التالي : « إن الصامت أول الأشياء كلها ، الذي لا أول له إلا بالاتصال كأنه نحو الفعل من الفاعل » . ونود نحن أن نقرأ كلمة « الصامت » ، « صمتا » وعندها يصبح النص هذا على النحو التالي : « إن الصمت أول الأشياء كلها ، الذي لا أول له إلا بالاتصال « 1 » كأنه نحو الفعل من الفاعل » . ولقد ضرب جابر أمثلة عديدة ليبين من خلالها أن « الصامت » كان من حيث الزمن قبل « الناطق » وكأنه أراد أن يضفي على هذا تفسيرا فلسفيّا ، فهو يذكر في موضع آخر لا يدعو للالتباس : « فأما الفرق بين الإمام والنبي أن النبي « ناطق » والإمام « صامت » . والنبي آمر والإمام مأمور . . . » « 2 » . ويتضح من سياق الكلام في الباب ذاته أن الإمام ، هو المتقدم السابق أي الصامت إبان حياة النبي والناطق فيما بعد . والأمر ذاته بالنسبة للأتباع فكل « صامت يصير ناطقا » .

--> ( 1 ) مختار رسائل ص 497 ( لقد ورد خطأ مطبعي في الأصل إذ جاء ص 492 . « المترجم » ) . ( 2 ) أميل إلى قراءة كلمة « اتصال » الموجودة في النص ، قراءتها « انتقال » .